أجرى رئيس الحكومة لارس لوكه راسموسن مؤخرا تغييرات وزارية مهمة كان أبرزها إقالة وزيرة الاندماج واللاجئين بيرته رون هورنبيك وتعيين سورين بيند بدلا منها.

إقالة الوزيرة جاءت كما هو معروف على خلفية قضية البدون، لكنها كانت مناسبة لكي يجدد رئيس الحكومة بعض وجوه وزارته طلبا لتحسين أدائها وشعبيتها المنخفضة. لكن وزير الاندماج الجديد لم يكن أقل تشددا من الوزيرة المقالة. فهو من نفس التيار المحسوب على اليمين في الحزب الليبرالي الحاكم وقد سبقته تصريحاته المثيرة حول الأقليات العرقية في الدنمارك.

بعد أزمة وزارية حادة وضغوط سياسية شديدة تفجرت بسبب قضية عدم تجنيس مئات من الفلسطينيين المستحقين وتصاعدت حدتها خلال عدة أسابيع، اضطر رئيس الحكومة الدنماركية لارس لوكه راسموسن أخيرا لإقالة وزيرة الكنائس والاندماج واللاجئين والقيادية المخضرمة في حزبه بيرته رون هورنبيك، التي رفضت تقديم استقالتها طوعاً. وكانت الوزيرة المذكورة قد تعرضت لضغوط شديدة من مختلف الجهات بعد أن تكشف دورها في تجاهل معاهدة دولية تعطي المئات من المقيمين من فئة البدون الذين ولدوا وترعرعوا في الدنمارك، حق الحصول على الجنسية الدنماركية. وقد تحول الموضوع بفضل متابعات صحفية دءوبة إلى فضيحة مدوية أحرجت الحكومة التي لا تنقصها الأزمات والمشاكل وهي على أعتاب انتخابات برلمانية حاسمة.

وكان رئيس الحكومة قد أجل في الأسابيع السابقة للإقالة أي تعليق على تلك القضية منتظراً التحقيق الداخلي الذي طلبه من الوزيرة المذكورة لمعرفة كافة التفاصيل. وبعد تسلمه التقرير المنتظر يوم 7/3 اختار رئيس الحكومة إقالة الوزيرة في صباح اليوم التالي، وتشكيل لجنة لإجراء تحقيق محايد في القضية برمتها. المعارضة البرلمانية التي مارست ضغوطا  قوية على الوزيرة وعلى رئيس الحكومة طيلة فترة التجاذب السياسي حول هذه القضية، رحبت بقراري الإقالة و التحقيق المحايد، ولكنها اعتبرت أن ذلك لم يغلق ملف القضية، بدليل تشكيل لجنة تحقيق محايد من شأنها أن تبقي جميع الاحتمالات مفتوحة. رئيس الحكومة استغل من ناحيته هذا الموضوع لكي يجري تعديلا وزاريا مهما سعيا منه إلى تحسين صورة وأداء حكومته التي تخسر يوما بعد آخر في استطلاعات الرأي العام.

 

الوزير الجديد القديم

أما الوزير الجديد الذي تسلم وزارة الاندماج واللاجئين فهو سورين بيند الذي يتولى وزارة التطوير أيضاً. وقد عرف سورين بمواقفه الحادة من الأجانب، حيث قال مؤخرا أنه لا يؤمن بمصطلح الاندماج ويعتقد أن الأجانب الذين يرغبون بالعيش في الدنمارك يجب أن يذوبوا ثقافيا واجتماعيا في المجتمع الدنماركي ويتبنوا ويحترموا قيمه وعاداته وتقاليده لكي يصبحوا دنماركيين، أما الذين لا يريدون ذلك فعليهم البحث عن مكان آخر. وقال سورين بيند «أعتقد أن التعدد الثقافي وما يجره وراءه من تبعات يحطم كل شيء» وأكد بيند استعداده لتشديد القوانين في هذا المجال.

وأكد الوزير الجديد على أنه سيسعى لتغيير سياسية الاندماج السابقة بالكامل، وأضاف بأن بعض القيم الدنماركية قد ضاعت وسط محاولات لإعطاء المجال للأجانب للتواجد في الدنمارك مثل حرية النساء وحريتهن في اختيار الزوج المناسب لهن، وشدد على أنه سيعمل على استعادة هذه المعاني وأن الدنمارك ستكون فقط لمن يريد أن يصبح دنماركياً ويحترم عادات البلد وتقاليده.

وفي أول تصريحاته وجه وزير الاندماج الجديد انتقادات شديدة إلى الاتفاقيات الدولية التي تحتم على الدنمارك منح الجنسية للشباب البدون المولودين داخل الدنمارك.

ووصف الوزير الجديد الاتفاقيات بأنها متخلفة ولا تتماشى مع العصر الحالي، ولا يعرف لماذا تصر الدنمارك على مواصلة العمل بهذه الاتفاقيات، وأضاف بأنه غير مقبول أن تجبر هذه الاتفاقيات الدنمارك على منح الجنسية للمجرمين الأجانب على حد تعبيره.

وأبدى سورين بيند تفهمه لالتزام الدنمارك في الوقت الحالي بالاتفاقيات والعمل بها مضيفاً أنه لو كانت الأمور بيده لاختلف الوضع تماماً عما هو عليه الآن، وأضاف بأن إجمالي الدول الملتزمة بهذه الاتفاقية لم يتجاوز 37 دولة.

 

مطالب حزب الشعب

تصريحات الوزير الجديد  القديمة والجديدة، قوبلت من قبل الأوساط السياسية الفاعلة بتفاوت شديد. فبينما رحب بها حزب الشعب الدنماركي (اليميني) المتحالف مع الحكومة واعتبرها بداية جديدة لتعاونه مع وزارة الاندماج، رفضها حزب الشعب الاشتراكي (اليساري) المعارض جملة وتفصيلا.

حزب الشعب اليميني قدم للوزير الجديد قائمة بالمطالب لخصها نائب رئيسة الحزب «بيتر سكوروب»  بالنقاط التالية:

(( • يجب إبعاد المجرمين الأجانب من الدنمارك.

على الوزير الجديد  أن يعمل على إبعاد الأجانب المجرمين، الذين ينشرون الذعر في الشوارع. فقد ثبت أن ثلث أعضاء العصابات من الأجانب الذين لا يحملون الجنسية الدنماركية. لذلك عليه أن يضمن إبعاد هؤلاء.

• يجب أن ينخرط المزيد من المغتربين في سوق العمل.

على وزير الاندماج إطلاق مجموعة من المشاريع والنشاطات التي تضمن زج المزيد من المغتربين في العمل، لأن ذلك يخدم المجتمع.

• يجب أن نساعد اللاجئين في أماكن تواجدهم.

على سورين بيند أن يفتح مراكز محلية لاستقبال اللاجئين في ليبيا ودول الشرق الأوسط الأخرى.. ففي هذه الأوقات ثمة فرص كبيرة لاندفاع موجات من اللاجئين ينتهي المطاف بالكثير منهم في الدنمارك وبلدان أوربية أخرى. لذلك فإن فتح تلك المراكز سيساعد كثيرا على إيقاف هذا الاندفاع.

• يجب أن نكون نحن الدنماركيون أسيادا في بلدنا.

الناخبون الدنماركيون هم من يقررون سياسة الأجانب في الدنمارك وليس الاتحاد الأوربي أو الأمم المتحدة. فقد تعرضت الدنمارك إلى وابل من القرارات الصادرة عن المحكمة الأوربية أدت إلى تسليط ضغط شديد على سياسة الأجانب. على سورين بيند أن يعلن عن رغبة الدنمارك بتغيير معاهدة الأمم المتحدة بحيث تتماشى مع القوانين الدنماركية، وإلا فعلينا الخروج من تلك المعاهدة)). تلك هي قائمة حزب الشعب.

وكان آخر الأحكام الصادرة من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ما عرف بقضية زامبرانو، وهو الحكم الذي يسمح لمن لديه طفل يحمل الجنسية الدنماركية بأن يقيم ويعمل في الدنمارك، ويشكل هذا الحكم تحديا كبيرا لقوانين لم الشمل التي شددتها الدنمارك منذ زمن ليس ببعيد وكذلك لقانون الـ 24 سنة.

 

موقف المعارضة

أما أحزاب المعارضة فقد رفضت تصريحات الوزير الجديد واعتبرتها مضرة. فقد علقت «مرغريتا فستاغر» رئيسة حزب الراديكال بقولها:

الكل يعلم، ماعدا حزب الشعب الدنماركي ومن يتبنى مواقفه، بأن الجميع يجب أن يكون مثلنا تماما. وفي الواقع إذا كانت هناك جهة تمنع الناس من الزواج بمن يحبون فهي حزب  الفنسترا الحاكم وحزب الشعب الدنماركي ((اللذان يمنعان الدنماركيين من جمع شمل أزواج أو زوجات من خارج الدنمارك)). على سورين بيند أن يبتعد كليا عن هذه الأفكار القديمة التي يشترك بها حزبا الفنسترا والشعب.

«ميتا فريدريكسن»  من الحزب الديمقراطي الاشتراكي  ردت من جهتها على تصريحات الوزير بقولها:

لم يطلب أحد من الوزير الجديد شن حرب ثقافية... إن مهمته الكبيرة تتركز في دفع عملية الاندماج إلى الأمام... لدينا أعداد كبيرة من شباب الأقليات بحاجة إلى تأهيل مهني ودراسي، وأعداد كبيرة أيضا من العاطلين عن العمل.. عليه أن ينشغل بهذه المهمات الكبيرة بدلاً من الخوض في أمور عقيمة لا تنفع الدنمارك..

أما حزب الشعب الاشتراكي فقد عبر عن موقفه من تصريحات سورين بيند السيد «جهاد فلانتين» نائب رئيس بلدية برونبي حيث  قال: نحن مع الاندماج الناجح، وتصريحات بيند لا تفيد عملية الاندماج بل على العكس من ذلك، وأتوقع أن سياسته هذه ستخلق فجوة كبيرة بين الحكومة والأقليات. وعن سبب اختياره لهذا المنصب قال فلانتين: أعتقد أن رئيس الحكومة سلم بيند هذه الوزارة لكي يكسب أصوات بعض شرائح المجتمع الدنماركي، لأن شعبية حزبي الحكومة في تراجع مستمر والانتخابات باتت على الأبواب.

كل ما تقدم يعني أن الوزير الجديد ينوي شن تشديدات قانونية جديدة. لكن مصيره  ومصير الحكومة برمتها سيكون رهنا بالانتخابات القادمة التي قد تطيح بالتحالف الحاكم بأكمله.

 

هامش

«الذوبان الثقافي والاجتماعي يعني حسب التعريف الموسوعي، أن مجموعة سكانية ذات مميزات ثقافية معينة، تتكيف مع محيطها أو مع مجموعة أخرى أكبر منها وتذوب فيها وتتخلى عن قيمها الخاصة الدينية منها والسياسية. وتتم عملية الذوبان تلك بوسائل غير إكراهية وتستغرق وقتا طويلا».